مختار سالم
84
الطب الإسلامى بين العقيدة والإبداع
لكن لما جاء عهد الوليد بن عبد الملك كان له الفضل في الاهتمام بحالة الطب والأطباء في دولة بني أمية وأنشأ أول مؤسسة صحية في الإسلام وبناء دور المرضى وعمل بالحديث النبوي القائل « استعينوا على كل صنعة بصالح أهلها » وكذلك بالحديث القائل » خذ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء خرجت » فأخذ يبحث عن أمهر الأطباء في زمانه فقيل له أن جميعهم من اليهود والنصارى فقال أن الحارث بن كلدة كان نصرانيا وقد سكن المدينة وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يأمر من به علة أن يأتيه فيستوصفه ليعالج ما به من مرض . . وهذا دليل على أن استخدام غير المسلمين في مثل ذلك جائز فاستقدم الوليد ومن جاء من بعده من الخلفاء الأمويين من أطباء اليهود والنصارى الذين كانوا يتولون في الغالب رئاسة الطب وبعضهم تعلم اللغة العربية ليشتغلوا بالترجمة في دور الخلفاء تقربا من دولة العرب المسلمين . إن الحديث عن حالة الطب العربي الإسلامي خلال هذه الحقبة التاريخية ممتع ومثير فبرغم من أنه يرجع إلى أصل يوناني مضافا إليه زيادات هندية وفارسية إلا أن هناك إضافات كثيرة من إنتاج العقل العربي الإسلامي التي لا تزال لها في التصورات الطبية الحديثة مكانة مرموقة لأن فيها حقائق علمية ومشاهدات قيمة ويمكن القول بأن طب العصر الأموي من حيث قوميته يعتبر كطب يوناني عربي إسلامي بشكل عام . . ومن حيث التفكير العلمي يمكننا اعتباره طب الكليات والإستنتاج . أما من ناحية الزمن فهو طب وسيط يقع بين الطب القديم الذي انتهى بالطب الفرعوني وبين الطب العربي الإسلامي الذي بدأ في عصر النهضة . ومن حيث التطور الطبي يعتبر طب الخبرات المنظمة بأسلوب عقلاني بعيدا عن الشعوذة والسحر والدجل والخرافات . . ومن حيث طبيعته يقوم على الصفات الفيزيقية للأشياء لأن الكيمياء لم تكن معروفة في ذلك الوقت ولم يكن للأطباء سبيل إلى التفريق بين الأشياء إلا من حيث صفاتها الظاهرة .